الزركشي
596
البحر المحيط في أصول الفقه
مسألة متى يلزم العامي العمل بما يلقنه المجتهد فيه أوجه أحدها بمجرد الإفتاء والثاني إذا وقع في نفسه صدقه وحقيقته قال ابن السمعاني إنه أولى الأوجه قال ابن الصلاح ولم أجده لغيره والثالث ذكره احتمالا أنه إذا شرع في العمل به كالكفارات وهو يقوى على قول من يقول إن الشروع فيما يلزم ملزم والرابع وهو الأصح لا يلزمه به إلا بالتزامه كالنذر فيصير بالتزامه لازما له لا بالفتيا ويؤيده ما سبق من التخيير فيما إذا اختلف عليه جواب المفتين والخامس واختاره ابن الصلاح أنه إنما يلزمه إذا لم يجد غيره سواء التزم أو لا أو برجحان أحدهما أو بحكم حاكم وإذا قلنا بالأول فكان السؤال مثلا عن يمين فقال له المجتهد حنثت فهل يقدر الحنث واقعا بقول المجتهد كحكم الحاكم أو إنما يقع الحنث بالالتزام بلفظه أو بنية فيه نظر . مسألة هل يجب على العامي التزام تقليد معين في كل واقعة فيه وجهان . قال إلكيا يلزمه . وقال ابن برهان لا ورجحه النووي في أوائل القضاء وهو الصحيح فإن الصحابة رضوان الله عليهم لم ينكروا على العامة تقليد بعضهم من غير تقليد وقد رام بعض الخلفاء زمن مالك حمل الناس في الآفاق على مذهب مالك فمنعه مالك واحتج بأن الله فرق العلم في البلاد بتفريق العلماء فيها فلم ير الحجر على الناس وربما نودي لا يفتى أحد ومالك بالمدينة قال ابن المنير وهو عندي محمول على أن المراد لا يفتى أحد حتى يشهد له مالك بالأهلية . وذكر بعض الحنابلة أن هذا مذهب أحمد فإنه قال لبعض أصحابه لا تحمل على مذهبك فيحرجوا دعهم يترخصوا بمذاهب الناس وسئل عن مسألة من الطلاق فقال يقع يقع فقال له القائل فإن أفتاني أحد أنه لا يقع يجوز قال نعم ودله على حلقة المدنيين في الرصافة فقال إن أفتوني جاز قال نعم وقد كان السلف يقلدون من شاءوا قبل ظهور المذاهب الأربعة وقد قال النبي الصلاة والسلام عليه إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه .